أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

543

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

يتبيّنون عدل اللّه في حكمه » . قوله تعالى : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ : مبتدأ وخبر ، وهذه الجملة لا محلّ لها لأنها مستأنفة ، سيقت تعليلا للنهي المتقدم ، وزعم الحوفي أنّها في محلّ نصب نعتا ل « أوليا » ، والأول هو الظاهر ، والضمير في « بَعْضُهُمْ » يعود على اليهود والنصارى على سبيل الإجمال ، والقرينة تبيّن أنّ بعض اليهود أولياء بعض ، وأنّ بعض النصارى أولياء بعض ، وبهذا التقرير لا يحتاج كما زعم بعضهم إلى تقدير محذوف يصحّ به المعنى وهو : بعض اليهود أولياء بعض ، وبعض النصارى أولياء بعض ، قال : لأنّ اليهود لا يتولّون النصارى ، والنصارى لا يتولّون اليهود ، وقد تقدّم جوابه . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 52 إلى 53 ] فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ ( 52 ) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ ( 53 ) قوله تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ الجمهور على « ترى » بتاء الخطاب ، و « الَّذِينَ » مفعول ، فإن كانت الرؤية بصرية أو عرفانية - فيما نقله أبو البقاء وفيه نظر - فتكون الجملة من « يُسارِعُونَ » في محلّ نصب على الحال من الموصول ، وإن كانت قلبية فيكون « يُسارِعُونَ » مفعولا ثانيا . وقرأ النخعي وابن وثاب : « فيرى » بالياء وفيها تأويلان ، أظهرهما : أنّ الفاعل ضمير يعود على اللّه تعالى ، وقيل : على الرأي من حيث هو ، و « يُسارِعُونَ » بحالتها ، والثاني : أن الفاعل نفس الموصول والمفعول هو الجملة من قوله : « يُسارِعُونَ » وذلك على تأويل حذف « أَنْ » المصدرية ، والتقدير : ويرى القوم الذين في قلوبهم مرض أن يسارعوا ، فلمّا حذفت « أن » رفع الفعل كقوله : 1750 - ألا أيّهذا الزّاجري أحضر الوغى * . . . « 1 » أجاز ذلك ابن عطية ، إلا أنّ هذا غير مقيس ، إذ لا تحذف « أن » عند البصريين إلا في مواضع محفوظة . وقرأ قتادة والأعمش : « يسرعون » من أسرع . و يَقُولُونَ في محلّ نصب على الحال من فاعل « يُسارِعُونَ » ، و « نَخْشى » في محلّ نصب بالقول ، و « أَنْ تُصِيبَنا » في محل نصب بالمفعول أي : نخشى إصابتنا . والدائرة صفة غالبة لا يذكر موصوفها ، والأصل : داورة ، لأنها من دار يدور . قوله : « أَنْ يَأْتِيَ » في محلّ نصب : إمّا على الخبر ل « عسى » وهو رأي الأخفش ، وإمّا على أنها مفعول به وهو رأي سيبويه « 2 » لئلا يلزم الإخبار عن الجثة بالحدث في قولك : « عسى زيد أن يقوم » ، وأجاز أبو البقاء أن يكون « أَنْ يَأْتِيَ » في محلّ رفع على البدل من اسم « عسى » وفيه نظر . قوله : فَيُصْبِحُوا فيه وجهان : أظهرهما : أنه منصوب عطفا على « يَأْتِيَ » المنصوب ب « أَنْ » ، والذي سوّغ ذلك وجود الفاء السببية ، ولولاها لم يجز ذلك ، لأن المعطوف على الخبر خبر ، و « أَنْ يَأْتِيَ » خبر عسى ، وفيه راجع عائد على اسمها ، وقوله :

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) انظر الكتاب ( 1 / 477 ) .